الرابع من يناير: لماذا بقيت معه؟
اليوم أمضيت بعض الوقت أفكّر في طبيعة الصلات التي تجمع بين الناس، وغرابة الأسباب التي قد يبقى من أجلها إنسان مع آخر، وكيفَ أنّ الحبّ - أهم الأسباب في نظري- هو آخرها عند أكثرِ الناس..
"ليس لدي خيار آخر" يجيب البعض بأسىً على سؤال "لماذا أمضيت كل هذا العمر مع فلان؟" وأفكّر أنا في فلان هذا، كيف أجبرت الحياة أقرب الناس إليه على البقاء معه، أهو بهذا السوء؟ أليس لديه خصلة واحدة حسنة يذكرها أحبابهُ بعدَ "لأنّهُ" ؟ أم أنّ فلانًا مبتلى بالأحبة الجاحدين الذين لا يرونَ إحسانهُ إليهم؟!
" لأنه واجبي" يجيب البعض الآخر، وأنا أفهم ما يعنونهُ حين يقولون ذلك.. أفهمُ الواجب، أفهمُ ثقله، أفهمُ صعوبة القيام به، أفهمُ الرغبة في الهرب منه، أفهمُ الشعور الجيد الذي نشعر به تجاه أنفسنا حين نلتزم به، أفهم أن الواجب أكبر منّا، أفهم أن الإنسان الذي وعى واجبه وأدّاه فقد أحسَن إلى الحياة والناس، ولكم تساءلت عن الأشخاصِ الذين بدا لي أن الجميع قد تخلّى عنهم تمامًا حتى المقربون: ألم يشعر أحدٌ ما في هذا العالم كلّه أن هذا الشخص واجبه؟!
" لأنني اعتدت عليه، لأنه كل ما أعرف" تجيب فئة ثالثة.. وهو جواب مفهوم، إلا أنني لو كنت مكان الآخر، لشعرت بالحزنِ من هذا الجواب، ولَنَمَا في داخلي قلقٌ من الفقد، لأن كل ما يتطلبه الأمر لتنقطع تلك الصلة، أن يعتاد العزيز أحدًا آخر، أو يكتشف عالمًا آخر مغرٍ أكثر من هذا العالم البسيط الذي تسيّره المعرفة الآمنة..
"لأنه يساعدني دائما، لأنه يلبي كل ما أطلبه، لأنه موجود متى ما احتجته، لأنهُ، لأنهُ، لأنهُ" هل تشعرون مثلي أن هذه علاقاتٌ تستند على قدم واحدة؟ وأنها حتمًا سنتنهي حين تصيب الحياة صاحب تلك القدم وتكسرها؟
" لأنه شخص جيد، لأنهُ محترم، لأن لديه الكثير من الصفات الرائعة، لأنه جميل ومحبوب" وهذا جوابٌ يجعلني أشكر من قلبي كل الأشخاص الجيدين في هذا العالم، الذين يجعلون من السهل على الناس محبتهم، وقضاء العمر معهم..
"لأني أحبه ❤️" وهو ما آمل أن يكون جواب الأحبة حين يُسألون عني.. لماذا الحبّ هو أهم الأسباب بالنسبة لي؟ لأن الإنسان إذا أحبّ اختار، وإذا أحبّ امتنّ للواجب، وإذا أحبَّ شعر بالألفة لا الاعتياد، وإذا أحبّ أغنتهُ معرفته بالمحبوب عن معرفة من سواه، وإذا أحبّ رضي، وإذا أحبّ شكر، وإذا أحبّ غفر، وإذا أحبّ بذل، وإذا أحبّ رأى كل حسَنة، وغضّ عن كل سيئة، وقدّم أفضل ما عنده، وهذّب أوحشَ طباعه، وفرِح بالعمر يمضي في رفقة المحبوب، لا يأسى على ما مضى منه، ولا يقلقه ما هو آتٍ، ما دام سيأتي في معيّة الحبِّ والمحبوب..

تعليقات
إرسال تعليق