المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2024

السابع من يناير: في حيرة اللاءِ والنّعم..

صورة
  يومًا ما كانت لدينا إجابات واضحة وحازمة عن الأسئلة الكبرى في الحياة، وحتى عن الأسئلة التي تخصنا أو تخصّ أحدًا نعرفه.. كانت لاؤنا صارمة، ونعمُنا واثقة، وكنا نعرف الكثير في ظنّنا، كان ذلك حين كنّا صغارًا.. يكبر الإنسان ويخوض تجارب عديدة، لتتغير بعض قناعاته إثر تلك التجارب.. ليست قناعاتُهُ فحسب ما يتغيّر، أفكارهُ تتغيّر، الزوايا التي ينظر منها إلى الأمور تتغيّر، أحلامه تتغيّر، معارفهُ تتغيّر، وحتى نفسهُ وهيَ نفسه، تصبح بمرور الوقت أخرى، يحتاج إلى أن يتعرّف إليها من جديد.. تكبُر لتقول لا وأنت مشفق، ونعم وأنت خائف، وتصمُت طويلاً في أكثر الأحيان قبل أن تقول إحداهما، لأنك أصبحت تعرف الكثير، ومع المعرفةِ الحقّة، ترتجفُ الإجابات، وسيتبدّى لك حينها كم كنت جاهلاً فيما مضى، وستتمنى لو تعود لك خفة الجهل، لكن المعرفة أحدُ تلك الأمور التي لا يمكن نقضُها أبدًا ما أن تحدث..

السادس من يناير: فلتكن دموعهم!

صورة
  السادس من يناير: فلتكُن دموعهم! كانت تؤرّقني فيما مضى كلماتٌ مثل "تغيّرتِ"، أظن أنني صنعتُ فيما مضى نسخة مثالية منّي أتعامل بها مع النّاس، وأتعاملُ في السرّ مع أيًّا كانت حقيقة ما شعرت به، ولذا كان من الصعبِ أن يرى الآخرون حقيقة ما كان يجري في الداخل، ولذا ظنّ الجميع أنني تغيّرت.. بلى تغيّرت، لكنني لم أصبح أكثر حساسيةً ورهافة، أنا فقط أصبحتُ أعبّر عن حساسيتي التي لطالما حاولت التخلص منها دون جدوى.. ربما لأنها صفةٌ أصيلة، كانت عنصرًا قويًّا في بناء الشاعرة والمرأةِ المُراعية، ولقد أحبّ الجميع الكلمات التي كانت تتغنى بها الشاعرة، والحنان الذي كانت تسكبهُ البنتُ التي كانت تسمع ما لم يُقل، وتصغي إلى الإيماءة والتنهيدة والصمت القصير بين كلمة في محلها وكلمةٍ استٌبدلت في اللحظةِ الأخيرة بغيرها في محاولةٍ يائسةٍ للثبات.. لقد فرحوا بالحنان، وتركوا لي الدموع، وحين صرتُ أقول: لقد أوجعني ما قلتموه، قالوا: ما لكِ أصبحتِ هشّةً وغضوبة؟! لقد تغيّرتِ! بلى تغيّرت، لم أعد أخوض حواراتٍ طويلة مع نفسي لأتجاوز موقفًا أزعجني، صرتُ أزعج من يزعجني! لم أعد أصمت لأبقي الأجواء هادئة، صرتُ أصنعُ زوبعة! ...

الخامس من يناير: ما هو لك، لن يخطئك.

صورة
  لطالما سمعت الحكمة التي تقول: "ما هو لك، سيأتي إليك دون جهد منك"، ولطالما آمنت بها، واليوم أرى تجليها في حياتي.. ما هو لك سيأتي إليك، دون أن تطارده، تركض خلفه، تتبعه، تتحرّاه، تنتظره، تلحّ عليه، تقلق من تأخره، تخاف من عدم مجيئه، تروادك الشكوك تجاهه،ك أو تجاه أحقيتك به، دون أن يشغلك تفكيرك فيه عن حياتك، دون أن توقفها حتى مجيئه، دون أن تشعر أنك ناقص بدونه، دون أن تتعب من طول انتظاره، دون أن يصيبك اليأس منه، دون أن تكرهه لفرط ما تمنّع عليك، أو أن تدّعي أنك نسيته.. سيأتي إليك دون أن يجعلك تتساءل عن أسباب رغبتك فيه، أو سبب حاجتكَ إليه.. ما هو لك سيطرق بابك بهدوء، وستفتح له بسرور.. سيركض إليك مندفعًا، وستأخذه بالأحضانِ مبتهجًا.. سيبحث عنك طويلاً، وأنت في غفلة عنه، وسيلقاك أخيرًا وأنت سعيد بمفاجأتهِ إياك.. ما هو لك، سيكون معروفًا لديك من قبل حضوره، سهلاً عليك الالتقاء به، يسيرًا عليك التعامل معه، تربطك بهِ أُلفة العمر الطويل حتى إن كنت قد لقيتهُ للتو، وإن غادرك فلن تأسَ عليه لأنهُ عائد إليك لا محالة، فهو في النهاية لك..  ما هو لك، لن يخطئك..

الرابع من يناير: لماذا بقيت معه؟

صورة
  اليوم أمضيت بعض الوقت أفكّر في طبيعة الصلات التي تجمع بين الناس، وغرابة الأسباب التي قد يبقى من أجلها إنسان مع آخر، وكيفَ أنّ الحبّ - أهم الأسباب في نظري- هو آخرها عند أكثرِ الناس.. "ليس لدي خيار آخر" يجيب البعض بأسىً على سؤال "لماذا أمضيت كل هذا العمر مع فلان؟" وأفكّر أنا في فلان هذا، كيف أجبرت الحياة أقرب الناس إليه على البقاء معه، أهو بهذا السوء؟ أليس لديه خصلة واحدة حسنة يذكرها أحبابهُ بعدَ "لأنّهُ" ؟ أم أنّ فلانًا مبتلى بالأحبة الجاحدين الذين لا يرونَ إحسانهُ إليهم؟! " لأنه واجبي" يجيب البعض الآخر، وأنا أفهم ما يعنونهُ حين يقولون ذلك.. أفهمُ الواجب، أفهمُ ثقله، أفهمُ صعوبة القيام به، أفهمُ الرغبة في الهرب منه، أفهمُ الشعور الجيد الذي نشعر به تجاه أنفسنا حين نلتزم به، أفهم أن الواجب أكبر منّا، أفهم أن الإنسان الذي وعى واجبه وأدّاه فقد أحسَن إلى الحياة والناس، ولكم تساءلت عن الأشخاصِ الذين بدا لي أن الجميع قد تخلّى عنهم تمامًا حتى المقربون: ألم يشعر أحدٌ ما في هذا العالم كلّه أن هذا الشخص واجبه؟!  " لأنني اعتدت عليه، لأنه كل ما أعرف...

الثالثُ من يناير: دوشة!

صورة
  رنّ المنبه، لقد تأخرتِ! اقفزي، لم تعدّي أي طعام لعائلتك، اركضي إلى المطبخ، يا لهُ من وقت قضيتهِ في الطبخ! لم تتجهزي بعد، لا بد من الاستحمام، أنتِ متأخرة للغاية! ارتدي الثياب، اركضي لا يمكنك التأخر أكثر من ذلك، اغتنمي المسافة في الرد على الرسائل، الكثير منها! يا إلهي دوار المواصلات! أنا جائعة، عمل عمل عمل، لم تأكلي أي شيء بعد؟ بسكويت صغير يفي بالغرض، ماذا الآن لماذا يتصلون من المنزل؟ المزيد من الاتصالات، المزيد من العمل، تبدين متجهّمة، لا تنسي التبسم، كم الساعة الآن؟ متى مضى كل هذا الوقت؟! متى يمكنني العودة إلى المنزل؟ ما زال عليّ الانتهاء من العمل، فاصل قصير، هل أنتِ جادة؟ يمكنك إنجاز بعض المهام بدل التصفح والنقر على الهاتف، قليل تشتت، ما زلتِ تمسكين بالهاتف، عودي إلى العمل، هل نسيتِ الثياب في الغسالة قبل خروجك من المنزل؟ رائع! الآن عليك غسل الثياب مرة أخرى. سأكسر هاتفي بالتأكيد! لا يتوقف رنينه، أشعر أنني نسيت شيئا ما، أين وضعت هاتفي؟ أوه! إنه في يدي، متى سينتهي هذا اليوم؟ هل انتهيتِ بالفعل من...... دقيقة دقيقة دقيقة، يجب أن أتوقف للحظة، شهيق، زفير، شهيق زفير، أوه! ماذا جرى للتدو...

الثاني من يناير: عن كثرةِ اليومِ الواحد.

صورة
في يوم واحد قدّمنا التهاني لخبر خطبة سعيد، وقدّمنا واجب العزاء لآخرين، وهاتفنا أصدقاء فتحدثنا وضحكنا معهم من قلبنا، وهاتفنا غيرهم فشكوا لنا وشكونا لهم وبكينا معهم من قلبنا، وخرجنا من بيوتنا نسعى لأرزاق نقصدها فأخذنا رزقنا، وسعت إلينا أرزاق لم نحتسبها وقبلنا عطايا ربنا، وفي اليوم نفسهِ تزيّنا باكرًا نتجمل للحياة، ومساءً أزلنا زينتنا احترامًا لأحزان الفاقدين،  وفي لحظاتٍ من ذات اليوم شعرنا بقليلٍ من التعب، وبعد دقائق منه عادت لنا العافية، وأعددنا طعامًا للعائلة، دون أن نشاركهم تناوله، لعادةٍ غريبةٍ تمنعنا من تناول أي طعامٍ نعده، وبقينا في أسر الهاتف دقائق، بل ساعات، وانتبهنا فأفقنا من غفلتنا ومشينا نروّح عن أنفسنا، وعدنا إلى البيت وتدثّرنا من البرد وجلسنا في رخاءٍ كسول، وقرأنا صفحاتٍ من كتابٍ مؤجل، وكتبنا هذه الكلمات، متأمّلين كيف يكون اليوم الواحد كثيرًا حين تسيّره البركة وتغمره العافية، شاكرين لله نعمة ها اليوم الغزير..

الأول من يناير: في فُسحةِ الشعورِ بالرضا.

صورة
يكاد أول أيّام العام الجديدِ أن ينتهي، والآن وبعد أن أعددتُ لنفسي مشروبًا ساخنًا، وأضأتُ شمعة صغيرةً طغى نورها على الغرفةِ الكبيرة، وجلست في هدوء، أفكّر في تفاصيل هذا اليوم العاديّ البسيط، أقول: أن أيامًا مثل هذه، أيامٌ يستيقظ فيها المرء من نومه محاطًا بكل ما يعرفه ويحبه، لم يتغير في عالمه شيء، يقضي الساعاتِ كما هو مخطط لها، في ألفة الروتين الهادئ، ويعود ليلاً ليستشعر عظمة العاديّ والبسيط، ويمتنّ من كلّ قلبه على يوم آخر هادئ، لا يختلف عن سابقه إلا بالتاريخ على ورقة التقويم.. أيام كهذه حين لا تضايقنا فيها الرغبات الكثيرة، ولا يُعجزنا فيها الطموح الذي لا حدّ له، ولا يقلق سلامنا فيها خوفٌ من المجهول، ولا تعترينا فيها الشكوك حول من نحن؟ ومالذي نؤمن به؟ ولا تلحّ علينها بها الذكريات، ولا يقضّ مضاجعنا فيها الحنين إلى ما لم يعد لنا، ولا نشعر فيها أننا عالقون في دوامة التكرار، رغم أننا نكرر الأيام نفسها، تعلّمنا أن الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة هو ما يصنع البهجة الكبيرة، وأن الظروف قد تكون هي الظروف، والأيام قد تشبه الأيام، ولكنهُ الرضا الذي يغير كل شيء..