مريم، مريمتهم.
عن العائلة، والأصدقاء.
لم أحتج إلى كل هذا البعدِ الخانقِ لأعرف مقاماتهم عندي ومعزّتهم لدي، كانوا دائمًا في قلبي وبين عيوني، أحملهُم في أنفاسي وأتّكئُ على أسمائهم العذبة كلما أثقلتني الحياةُ بهمٍّ لا يهون عليّ أن أُثقلهم به.. أحملُ الهمَّ وتحملني أسماؤهم، وتنفخُ بالهواء البارد على وجهي ذكرياتهم حين يصيرُ دمي تنورًا، وتعيدني إلي أصواتهم كلما ضعتُ منّي.. هذا عُمري، هذه ستّةٌ وعشرون عامًا أركضُ فيها وأضيع، ولا يردّني إلا صوتُ أحدهم في الطرفِ الآخر من السماعةِ يقول : مريم، مريمتي..
" مريم، مريمتي
سمرا يا سمارة
دبدوب، يا دبدوبتي
مَريمِتيّا"
نداءاتٌ أعادتني من حوافِ الشرفات، وأعادت إلى الرّفوف المقصاتِ والأمواس، نداءاتٌ لحّفتني في الليالي الباردةِ وغنّت لي لأنام، نداءاتٌ جلست معي على الكراسي المقابلةِ في المقاهي التي ارتدتها وحيدة، نداءاتٌ أكلت معي طعامي المفضّل، وشربت معي شايًا بالحبقِ وتنهّدت معي حنينًا إلى الطائف الحلوة، نداءاتٌ ردّدتها على نفسي لأتذكر بها أنني محبوبة، وأنني سأظلُّ كذلك ما ظلّوا، نداءاتٌ صارت أيادٍ أمسكت بي وأنا أعبرُ الشارع، وأكفًّا أحاطت وجهي الباكي ومسحت دموعه، نداءاتٌ لبستُ أبهى الحللِ لتثني عليّ وهي لا تراني، وابتسمتُ لها كل يومٍ واعتبرت أنها ابتسمت لي بدورها، نداءاتٌ دُرت المدينة الكبيرة أحفظُ أماكنها الحلوةَ لآخذهم إليها ذات يوم، والتقطتُ من الصورِ لي وللأماكن ما لا يحصى لأطمئنهم عليَّ، على مريم، مريمتهم..
مريم، مريمتهم تحنّ، وتحكي للآخرين عنهم، وتتباهى بمحبتهم.. مريم مريمتهمّ تشتاق، لوجوههم الحلوةِ ما رأت أجمل منها، وأحاديثهم العاديةِ ما سمعت أعذب منها، وتتساءلُ ماذا أرادت الحياةُ أن تختبر بالضبط في محبتها لهم؟ وهي التي تحفظهم في قلبها وبين عيونها، ولم تحتج إلى ما يذكرها بهم أو يريها قدرهم، قدرهم الذي تعرفه، ومحبتهم التي تمتنّ لها وتتباهى بها.. فلماذا يا حياةُ تبكّين من الحنينِ وقلّةِ الحيلةِ مريمَ؟ مريمتهم؟

تعليقات
إرسال تعليق