" خُذِ العفْوَ"
في محاولةٍ جادةٍ لفَهمِ متى ومن أين بدأت هذه الجفوةُ بيني وبين نفسي، ومتى صرنا شخصين متعاديين، يفعلُ كلُّ منهما ما بوسعهِ لهدمِ الآخر، أجدُ كل هذا قد بدأَ في المواقف التي آذاني فيها آخرونَ ولم أقف دفاعًا عن نفسي..
شيئًا فشيئًا توطدّ في نفسي اعتقادُ أنني شخصٌ ضعيفٌ ومتخاذل، شخصٌ لا تُحتمل مشقّةُ السّفرِ الطويلِ معهُ، ولا يمكن الاحتماءُ بهِ أو الاعتمادُ عليه في دفعِ الأذيةِ، فضلاً أن تُنتظرَ منهُ المبادرةُ في فعلِ أمرٍ من شأنهِ أن يعزّني أو يرفعني..
وأمامَ هذا التقريعِ المستمرِ من نفسي، وأمام الملامةِ الملقاةِ عليَّ في كلّ ما يحدث، استيقظ الوحش، وبدأ في تدمير كلّ ما يطالهُ، وسمعتُ منّي كلماتٍ ليست كلماتي، ورأيتُ الغضب في ملامحي وأنا أنظرُ إلى المرآة، واستنكرت مرارًا ما أرى وأسمع، وقلتُ أن هذه ليست أنا، وأنَّ شخصًا ثالثًا - وحشًا في الحقيقةِ - نما من خلال هذا الصراعِ المُحتدم بيننا، وصار ليس بإمكاني أيّ منّا السيطرةُ عليه..
وبين الوحشِ والنفسِ اللوامةِ فقدتُ نفسي..
ولم أعد أعرفُ هل أنا شخصٌ ضعيفٌ لا يُخشى إيذاؤهُ؟ أم أنني نارٌ مستعرةٌ لا يُؤمَنُ بطشُها؟
وأصبحتُ أقول أنا وأسمعها بأصواتٍ ثلاث، وأنظرُ إلى المرآةِ فأرى مع صورتي ظلالاً ووجوهًا مشوهة، هي ليست منّي، ولا تلك الأصوات! ولا الوحشُ منّي ولا المنهَزِم.. أنا إنسانٌ أُوذيَ فلم يدرِ ما يفعل، وقبل أن يدري فلتت من يدهِ الأمورُ، وما يزالُ لا يدري ما يفعلُ إنما ليس بالأذيةِ فحسب، بل بنفسهِ أيضًا..
أركضُ بحثًا عن الحلول، هُنا وهُناك، وأخبرُ نفسيَ أنني لست ضعيفةً وأنّ الخيِّرَ لا يتوقعُ من الناسِ إلا خيرًا، وأنّ عليها أن ترى الأمر هكذا وتتوقف عن ملامتي، ثمّ أُخبرُ الوحشَ أنني أولُ المسحوقين بسخطه، وأنّ الجهالةَ ما دفعت أكثر الناسِ لحذفهِ بالحصى وهو في غفوته، أؤكدُ عليهِ أنها الجهالةُ لا الشرُّ المحض، ثمّ أجمعهُما معًا وأقولُ أنني أختارُ العفو، عنهُما أولاً ثمّ عن أولئكَ الذين أشعلوا فتيل الحربِ بينهُما..
أختارُ العفو لأنني أريدُ أن أحيا، وأن تنتهي هذه المعركةُ الداميةُ في الداخلِ، والتي تطولُ مدّتُها بما يقصرُ من عُمري وعافيتي وسلامي، ولأنني أريدُ للخيِّرَةِ فيّ أن تظلَّ خيّرة، وترى الخير في الناس، وألا تعتاد روحي الأذى وكأنهُ ما تستحقّ، ويظلّ له وقعهُ وألمهُ، ويظلّ مُستنكرًا عندي وثقيلاً عليّ، وأن يعودَ الوحشُ إلى غفوتهِ وهو يعلمُ أنني لا أكرههُ، وأنهُ مخلوقٌ من وجعي ليدافع عنّي، وأنني أولويتهُ ومهمّتهُ، وأنني أطمئن لمعرفةِ أنهُ في مكان ما فيّ ينتظرُ أن أستنجد بهِ، وأنني سأفعل لو اضطررت، ولكن عليهِ أن يثقَ بي وبقدرتي على حلّ الأمورِ كثقتي فيما قد يفعلهُ من أجلي..
أختارُ العفو لتنتهي هذهِ الجفوةُ الطويلةُ، ويكمل الحبّ مسراهُ إلى الأعماق، ويعودَ قلبي أرضًا طيبةً آمنةً، وتعود روحي سماءً رحبةً فسيحةً، وأعود لأكون إنسانًا واحدًا، أعرفهُ وأطمئن إليه..

تعليقات
إرسال تعليق