أنّى اتجهنا تلقّفتنا خيباتُ الماضي واستقبلتنا بسكينةِ العارفِ أنّ مردّنا إليهِ مهما تنقّلنا في الأماكن والأزمنةِ والوجوه، فما عادت لنا من طاقةٍ للرحيلِ ولا حِملٌ على البقاء.. نجلسُ وتجلسُ على مقربةٍ منّا جراحنا، تتناوبُ فيما بينها، جرحٌ واحدٌ في كلّ مرةٍ يتسلّقُ أعيُننا، جرحٌ واحدٌ في كلّ مرةٍ يظهرُ ويسمحُ للرائينَ بالعثورِ علينا..
وترانا الأعينُ نازفين، فتُشيح.. وتعبرُ بجوارنا الأقدام، فتحثُّ الخطى لتتجاوزنا، وتحاولُ يدّ ما أن تمتدّ إلينا، فترتدُّ خائفةً من أن يكونَ ما بنا أذىً مُعديًا، فتصير إلى ما صرنا إليه..
وفي لحظةِ يأسٍ وتعب، نتمنّى لو لم نكن يا إلهنا..
نتمنّى لو لم تُنفخ بنا الروحُ ونُوهب حيواتنا هذه، لو أننا كنّا عدمًا، أو أننا مِتنا في أعمارٍ مبكّرةٍ وكنّا عصافير وحمائمَ في فراديسك.. نتمنّى ولا تنفعُنا المُنى، ونسحُّ دموعنا ولا تنطفئُ بها الحُرَقُ، ونحمِلُ إيماننا المطعونَ من كلّ ناحيةٍ ونرفعهُ إليكَ ونسألُ : متى تنتهي آلامُنا يا إلهنا؟ أو متى ننتهي؟
نسألُ ولطالما رفعنا إليكَ في دعائنا الأسئلة، منذُ "من خلقَ اللهَ؟ " سؤالنا الأول.. الذي كان يُردُّ سريعًا في أفواهنا قبل أن نُتمّه، ثمّ نستغفر بعدهُ مئةَ مرةٍ ونَعِدُ أهلينا ألا نسألهُ أخرى، فلا نسألُ جِهارًا كما وعدنا، ولكننا نُربّيهِ سرًّا في دواخلنا.. إلى السؤالِ الذي لازمنا لمّا لازمتنا الآلام، وحلَّ أولاً في أذهاننا وأنفسِنا قبل كلّ سؤال، وصار يترددُ سرًّا في دواخلنا بعدما صرنا نضعُ نحنُ أيادينا على أفواهنا خشيةَ أن يكونَ بكاؤنا بهِ جحودًا، " أين أنت؟ أين أنتَ من كلّ ما يحدثُ لنا؟" ثمّ نستغفرُ بعدهُ وننخرطُ في بكاءٍ مرير..
ترانا وتسمعُ أحوالنا
وليس لنا في الوجودِ سواكْ
قدَرتَ من الأمرِ أعسَرَهُ
علينا.. فقلنا المهمُّ رضاكْ
وليس اعتراضًا ولكننا
تعِبنا، فهوِّن علينا قضاكْ
تعِبنا، تعِبنا.. وأرهقتنا الظنون، ونَمَت فينا السؤالات وكبُرت.. ونَمَت آلالامُنا وصارت أقوى منّا ومن محاولاتنا، وما نزالُ نهتفُ " يا الله" ونحنُ ننزعُ الشوكَ من جلودنا، وما نزال نصرخُ بها " يا الله" ونحن نسكبُ الماء البارد علينا، لا ندري أيّ نارٍ نُخمِدُ به، تلك التي في قلوبنا، أم الأُخرى التي تصهرُ عظامَنا..
"يا الله يا الله"، نهتفُ بها لا نعرفُ سواها.. " يا الله يا الله" نستنجدُ بكَ لا نعرفُ إلاك.. " يا الله يا الله" ماضينا يحاصرنا وتخنُقنا جراحُه، " يا الله يا الله" وعَافَنا الأقربون وعَافوا شكايتنا، " يا الله يا الله" واليأسُ تملّكنا والأسى.. متى يا إلهنا متى؟ متى تنتهي آلامُنا أو متى ننتهي؟
تعليقات
إرسال تعليق