في ظهيرةٍ ما..
اليوم حين كنتُ مستلقيةً على شرفة البيت بعد أن أنهيت حصة اليوغا اليومية، وكان التوقيت ظهرًا، مرّت الشمس على جسدي، أو ربما عبرت السحب التي كانت تحجب الشّمس فاتّصلَ دفؤها مباشرةً بجسدي، ابتداءً بقدميّ صعودًا إلى رأسي، في مرور بطيءٍ استشعرتُهُ كاملاً، وبالرغم من أنني اكتسبت مؤخرًا عادة التشمّس كل نهار، إلا أنّ ما أحسستهُ اليوم كان مختلفًا.. أحسست بكل موضع فيّ، وكان شيءٌ في دمي يسبّح حين كان يمرّ بي الدفء، وشعرت برغبةٍ في البكاء والضحك معًا، وشعرت بقلبي سائلاً وبجسدي خفيفًا كأنهُ محمولٌ على الهواء.. لم أشعر بالأرض من تحتي، لم أشعر بالثيابِ التي عليّ، لم أشعر بوجود أختي التي كانت تجلس على مقربةٍ منّي، ولم أسمع أيّ صوتٍ عدا صوت أنفاسي، ولكم كانت تلك الأنفاسُ مشبعةً ونظيفة، ولكم تمنّيت حين عُدت بانتباهي إلى المكان والزمان لو لم تنتهِ تلك اللحظات..
أكتب عن هذهِ التجربةِ والساعةُ تشير إلى الثامنة، وما يزال تأثيرها ممتدًا إلى الآن، والخفّةُ التي شعرتُ بها في الظهيرةِ ما تزال ترفعُ خطايَ عن الأرض، وراحةٌ عجيبةٌ تتنقلُ معي خلال اليوم، من ساعةٍ لساعةٍ ومن مكانٍ إلى مكان..
حين بدأتُ قبل بضعة أشهر ممارسة التأمل واليوغا وتمارين التنفس وبعض التمارين الرياضية المختلفة، كنت آملُ أن أجد ما يتحدث عنه الناس من اختلاف جذريٍّ في حيواتهم تبعًا لهذه الممارسات، وقد لاحظت تغيّرًا عامًا في المزاج والصحة النفسية، وربما نزولاً بسيطًا في الوزن وانتظامًا في النَفسِ وجملةً من الفوائدِ التي سررت بها، لكنها لم تكن ما بحثت عنه ابتداءً.. فقبلت بما حصلت عليه، وظننت أن مثل تلك التجارب استثنائيةٌ ولا تحصل لكل أحد، وكنتُ أعتقد أن ما يروونهُ عن تلك النوافذ التي تنفتح في أرواحهم والسعة في الرؤية والإدراك لا بدّ وأن تصاحبَ لحظةً مهيبةً جليلةً تنهار على إثرها ملامح عوالمهم وتسقط من هول ما يبصرونه إذ ذاك أجسادهم، لكنني اليوم أفهم أن تلك اللحظات التي يتغير على إثرها كل شيء قد تكونُ لحظةً تمرّ فيها الشّمس على جسدٍ متمددٍ في ظهيرةٍ ما، لحظةً يعود بعدها الإنسان إلى عالمه الذي يعرفه، وإلى فعل ما اعتاد فعله، ويبدو الأمر وكأن شيئًا لم يتغير، لكن الحقيقة أن كل شيء تغيّر، فليست الأمور كما كانت عليه مع وجود تلك اللحظة في الذاكرة، ومع إمكانية العودة إليها في أيّ وقت..

صباح الخير مريم ، أود إهداءك نسخة من كتابي : ثقوب الذاكرة . كيف السبيل إلى ذلك. ممكن تكون نسخة الكترونية لا بأس.
ردحذف